محمد جمال الدين القاسمي

498

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ [ يونس : 57 ] ، فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية . وأدواء الدنيا والآخرة . وما كل أحد يؤهّل ولا يوفق للاستشفاء به . وإذا أحسن العليل التداوي به ، ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام ، واعتقاد جازم ، واستيفاء شروطه - لم يقاومه الداء أبدا . وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء ، الذي لو أنزل على الجبال لصدعها ، أو على الأرض لقطعها . فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل للدلالة على دوائه وسببه والحمية منه ، لمن رزقه اللّه فهما في كتابه . فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه اللّه . ومن لم يكفه فلا كفاه اللّه . ثم قال في ( حرف الكاف ) : ورخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه ، وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل اللّه فيه . ثم ذكر ما كان يكتبه شيخ الإسلام ابن تيمية للرعاف . فانظره . وذكر ، قبل ، في فاتحة الكتاب ، من سرّ كونها شفاء ، حقائق بديعة . وكذا في بحث الرقي . وذكر أيضا أن من الأدوية التي تشفي من الأمراض ، ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء ، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم ، من الأدوية القلبية والروحانية وقوة القلب واعتماده على اللّه والتوكل عليه والالتجاء إليه ، والانطراح والانكسار بين يديه ، والتذلل له والصدقة والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار ، والإحسان إلى الخلق وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب . فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها . فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء ، ولا تجربته ولا قياسه وقد جرّبنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة . ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسيّة وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ، ليس خارجا عنها . ولكن الأسباب متنوّعة ، فإن القلب متى اتصل برب العالمين ، وخالق الداء والدواء ، ومدبّر الطبيعة ومصرّفها على ما يشاء ، كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعاينها القلب البعيد منه ، المعرض عنه . وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة ، تعاونا على دفع الداء وقهره . فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه ، وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به وحبّها له وتنعمها بذكره ، وانصراف قواها كلها إليه ، وجمعها عليه ، واستعانتها به ، وتوكلها عليه - أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية ، ويوجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية . ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس وأعظمهم حجابا وأكثفهم نفسا ، وأبعدهم عن اللّه وعن حقيقة الإنسانية .